الأخوة في الدين
محاضرة مفرغة
للشيخ الفاضل أبي نصر محمد بن عبد الله الإمام
حفظه الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيمالصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه.. أما بعد:ألا وإن القلوب بحاجة إلى المواعظ والزواجر، لأنها سياط القلوب، فالقلوب الغافلة والقلوب الضعيفة في إنابتها إلى الله تحتاج إلى المواعظ والزواجر، فليحسن الدعاة والعلماء وطلاب العلم والخطباء، فليهتموا بهذا الأمر وليعطوه حقه.أيها الأخوة:إن مما ينبغي أن نذكر أنفسنا به، ونسعى في إصلاح ما فرطنا فيه أمر الأخوة في الدين، الأخوة في دين الله ومن آجل دين الله.إن الأخوة في الدين هي القوة الثانية لك.القوة الأولى: إيمانك بالله وتوحيدك لله ، هذه قوتك الأولى.القوة الثانية: الأخوة في الدين ، فأخوك في الدين هو قوةُ لك، وسندُ لك ومعينُ لك . فالأخوة في الدين من أعظم المنح الإلهية، والعطايا الربانية، يقول ربنا ممتنًا على نبيه وخليله محمد -عليه الصلاة والسلام_: }لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ{.انظر! إذا أراد الله بنا خيرًا ألّف بين قلوبنا ، وإذا كنا غير أهل لذلك شتت علينا قلوبنا، )وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(. ويقول: )وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ( .الأخوة محلها القلب، أساسها القلب, تنبع من القلب، من رحمة القلب، وحب القلب، ورغبة القلب، وتعظيم القلب.. هذا محلها، وهذا منبعها.أما أذا كانت الأخوة باللسان والقلب يغلي غليانا بما يغضب الله، فذلكم الانحراف العظيم..وقد جعل الله عز وجل إقامة دينه وتحقيق النصر منه لمن حققوا أمرين اثنين: إخلاص العبادة له ، والأخوة في سبيله وسبيل دينه.وقد أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام:إن أول عروة ينقضها الشيطان من المسلمين الأخوة في الدين.وروى الإمام مسلم من حديث جابر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال:( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون بالجزيرة, ولكن بالتحريش فيما بينهم ).بالتحريش.. الشيطان العدو المبين، داعي إلى الفحشاء والمنكر والظلم والبغي ويدعو إلى الإجرام والقتل وسفك الدماء.هذا الشيطان يدعوك إلى أن تفتك بأخوة أخيك..انظروا ماذا فعل الشيطان بأخوة يوسف؟ جعلهم يحسدون أخاهم يوسف كما قال أكثر المفسرين: حسد أخوة يوسفٍ يوسف.فلما حسدوه ماذا عملوا ؟ أرادوا قتله، لا تظن أنك إذا أنت مؤمن وإذا فيك شيء من الخير والتمسك أنك سالم من الحسد، ما منّا من أحد إلا وفيه مادة الحسد ، غريزة أوجدها الله ابتلاء وحكمة منه، فمنّا من يحارب الحسد فلا يحسدنّ أحدا.. ومنّا من ينطلق.. فهاهم أخوة يوسف أرادوا قتله وهو أخوهم ، وهو طفل .. طفل وما لذنبه شيء ما أخذ عليهم لا مال ولا جاه ولكن الحسد ، إذا دبّ فهو داء عضال، فاتفقوا بعد ذلك على أن يُرمى به في الجبّ، وهنا عرضوه للهلاك والتلف، وكان هذا أخف من مباشرته بالقتل.وقالوا إنه سرق، فكذبوا وافتروا عليه وهو بريء من السرقة .فلا تظن أن الشخص إذا لم يراقب الله ما ستحصل منه أمور عظيمة ، من هتك الأخوة ومحاربتها، فيوسف عليه السلام يعتذر لوالديه ويقول كما قال ربنا في كتابه الكريم، قال يوسف: )مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (، هذه كلها من تسلطات الشيطان.فالأخوة الدينية تحتاج إلى المحافظة عليها، فلا نستسلم لا للنفس.. تنتقم لنفسك .. إذا انتقمت لنفسك.. فنفسك تريد هلاك الآخرين لتبقى هي، حتى قال بعض العلماء " ما من نفس إلا وفيها ما أظهره فرعون" )أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى(.لأن هناك من النفوس من تنمو فيها مادة الكبر والعجب، وهنالك من النفوس من لا تصل إلا ذلك، فإذا انتقمت لنفسك إنك ستترك الانتصار لدينك وتترك الحق والعدل والإنصاف الذي ينبغي أن تصير عليه يا عبد الله .فالشيطان كما قال الله: ) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا(.ينزغك: يدفعك، لتقول كلمة تؤذي أخاك ما أمرك الله أن تقولها، ولا فرض عليك أن تتفوه بها، ولكن الشيطان دعاك إليها .ليتنا نتحر الحق ونقوله وكفى.. فكفى بذلك توفيقاَ من الله.. لكن الشيطان يدفع الشخص إلى أن يقول ما يقول من الباطل، ومن الشر: من السب والشتم واللعن، وغير ذلك مما فيه مخالفة لشرع الله رب العالمين سبحانه.أيها الأخوة .. الأخوة لها مقومات.. إن حافظنا على المقومات، حافظنا على الأخوة ، وإن ضيعنا المقومات ضيعنا الأخوة..من هذه المقومات للأخوة:التناصح.. لا خير فينا إن لم نتناصح، لأن النصح هو دواء لأدوائنا، لأخطائنا، لتفريطاتنا، لتلاعبنا.. وما منّا من أحد إلا وعنده وفيه من الذنوب والعيوب التي لا يتخلى عنها إلا بقدر ما يجدّ الناصحون في نصحه والمتعاونون في التعاون معه.فيا عبد الله افتح صدرك لمن ينصحك ويذكّرك ويقول: قال الله كذا، قال الرسول كذا.. هذا الذي سار عليه أهل العلم والصالحون وأهل الإسلام، ماذا تريد بعد هذا؟!هذه نِعم تساق إليك،عندما يأتي أخوك وينصح لك، قال بعض السلف: "من نصحك فقد أحبك ومن داهنك فقد غشك".فمن كره الناصحين ونفّر عنهم واستخف بهم أبتلاه الله بأصدقاء وزملاء وأشخاص يسهّلون له الورود على جهنم .. معليش ساعة لقلبك وساعة لربك، والدين يسر، وبعد أيام ستتوب ، ولا داعي للتشدد حتى يجعل جهنم كأنها الجنة.انتبه يا عبد الله! أن تقبل هذا الصنف الذي هو بمنزلة عدو ، يقول الله : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ( لما كانوا أعداء؟ قال المفسرون: هذه الآية نزلت في أناس أردوا أن يهاجروا مع الرسول عليه الصلاة والسلام, أو يلحقوا به ، فثبطهم أولادهم وأهلوهم وحالوا بينهم وبين الهجرة فجعلهم الله أعداء وإن لم يكونوا كافرين، هؤلاء ليس عداءهم عداء كفر لكنه فيه تثبيط وتخذيل، وفيه إبعاد للشخص عما يريد أن يتزود منه، من الخير. فالذي ينصحك.. ما يعطيك من النصح أعظم مما لو أعطاك ملأ الأرض ذهباً، فأهل السنة يتناصحون فيما بينهم ، وينصحون للناس عموماً، وغيرهم قد يراك على شر مستطير ويضحك لك، وربما شجعك ، وربما ثبتك عليه, وقال أنا معك على هذا, أستمر على ما أنت عليه.فيا عبد الله، افتحوا صدوركم للنصح، النفس ما تحب أن ترى عيوبها ولا أن تسمع من يذكرها بعيوبها ، فلا تكن مع نفسك.. كن مع ما ينفعك.فبعض الناس إذا نُصح، نفسه ترفض أن تقبل النصح، فيقوم يتهم الناصح بأنه –يعني- متجاوز، وأنه ما يحترمه، وأنه يريد يشهر به، وأنه... وأنه..دعك من ذا الخبر ..انظر إلى عيبك وإلى خطئك وبادر إلى إزالته.كذلك أيضًا من مقومات الأخوة الدينية : الصبر .. أن تصبر على المسلمين بقدر ما شرع الله لا تتفضل عليهم بصبر من عندك، ولكن اصبروا كما أراد الله.قال رب العالمين في كتابه الكريم: )وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ (. ما قال أتقتلون؟! مادام أن فلان يعمل لي فتنة.. لا ..أتصبرون! دعوة إلى الصبر على أخيك عندما يحصل بينك وبينه شيء ، أي لا تتجاوز إلى البغي والظلم ، وإلى الطعن والتشويه، تبقى عند الحدود الشرعية .اصبر. . إذا لم تصبر على أخيك فعلى من تصبر ؟!... هنالك بعض من الناس من يرى أنه يصبر على العوام، وجزاه الله خيراً إن صبر على العوام ، هم والله بحاجة إلى ذلك, حتى يغرس فيهم الخير ويصبر على العصاة ، لكن إذا جاء إلى طلاب العلم وإلى الدعاة وإخوانه إذا به لا يصبر ولا يريد هذا...لا...أنت بحاجة إلى أن تصبر على هذا الصنف قبل أن تصبر على الأصناف التي ذكرتها قبل قليل.. لأن هذا ألصق الناس بك، وأنت أحوج إلى معاونته ومناصرته، وهو أحق بأن يُصبر عليه، لأنه أقرب إلى الخير ، وأكثر خيراً وأقل شراً ، فاحذروا أن نسلك هذا الطريق، وهو إذا جاء إلى طلاب العلم يسجل الأخطاء، أخطاء في كذا.. عمل كذا.. وقال كذا..هذا طريق من لا يُصلح، ومن لا يخدم الإسلام، وإنما يُفسد وإن أدّعى أنه يُصلح.يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله وهو يشرح الآية الكريمة: )وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ( , قال: "العالم فتنة للجاهل ، والجاهل فتنة للعالم" وقال: " والصالح فتنة للطالح، والطالح فتنة للصالح، والأخ يفتن بأخيه ، والجار يفتن بجاره".امتحان.. ابتلاء من الله، ليعلم الله منا الصادق ، من الذي يجنب نفسه سفك الدماء وإزهاق الأرواح، ويجنب نفسه مؤاذاة الناس، والتعدي عليهم، ومن الذي يتجاوز ولا يقف عند الحد الشرعي .ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه [ الاستقامة] قال: " ما من فتنة إلا وسببها ترك المأمور أو ترك الصبر عليه". فهذه الفتن كما سمعتم سببها إما ترك ما أمر الله أو ترك الصبر على ما أمر الله، فمثلاً: فلان من المسلمين سب فلان من المسلمين.. إذاً هذا المسبوب المطلوب منه أن يبحث عن حقه بالطريق الشرعي، فإن لم يُنصف، عليه أن يصبر وليس له أن يتجاوز.. يقول : هذا سأقتله لأنه سبني أنا سأقتله ..ليش يسبني ؟؟ هنا في تجاوز رهيب ، أو سبه بكلمة يقول: أنا أسبه بعشر.. سبه في قضية يفتري عليه بقضية أكبر من قضيته، هذا من جملة ما يحصل في أوساط المسلمين.. بل بعضهم إذا تنازع مع فلان ولم يصل إلى حقه ذهب يسحره ، يعمل له سحراً من عند السحرة الكفرة ، من أجل أنه يقضي عليه ويسير مجنوناً في الشوارع أو مرميًا في زوايا البيوت..يا سبحان الله ، الله ينتصر للمظلوم ، إن كنت مظلومًا نصرك الله ، فإذا تحولت إلى ظالم تعديت.. لك حق، فتعديت ، هنالك تصير ظالمًا، وهنالك يُخشى عليك من بطش الله رب العالمين سبحانه. فمن مقومات الأخوة :أن ينصح بعضنا بعضًا , ولا نتعجل في التشويه ، وفي الطعن ، وفي المحاربة ، وفي الهجر ، وفي كذا.. هذا الطريق لا تسلكها وإن أشتد عليك الأمر ، فارجع إلى أهل العلم وسلهم ، كيف تتعامل مع فلان الذي من شأنه أنه أذاك في كذا وكذا ..؟ أما من جاء فعل ما يريد ، فهذا يسبب دائمًا كثرة الفتن في أوساط المسلمين ، فاحرصوا على إقامة الأخوة في الدين ، فإن التلاعب بها، والانتهاك لها ، خطر عظيم جداً على أصحابها في الدنيا والآخرة.الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:( بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) معناه يكفيه شرا أن يحقر أخاه المسلم .المسلم له حرمته ، وله كرامته ، ولا يعني هذا أنه لا يعاقب على أخطائه بمقتضى الشريعة ، ولا يذم على أخطائه بمقتضى الشريعة ، بل يذم ويعاقب بمقتضى الشريعة.لكن من كان كما سمعت يحقر أخاه المسلم إما لإسلامه – هذا مطوعي – يحتقره لأنه أحسن منه في بعض الطاعات ، فيحتقره ويزدري به.. هذا انحراف عظيم .. يحتقره لشيء في نفسه ، فالمسلم يُعَظم ويُحترم بقدر ما فيه من الخير ، وكذلك يبغض بقدر ما فيه من الشر..فمن كثر خيره كثر حبه وتعظيمه ، ومن كثر شره كثر بغضه ، ولا يبغض بغض الكافرين ، ولا يحبه محبة الأنبياء والمرسلين ، ولكن يُحب حبًا شرعيًا . هذه من مقومات الأخوة أن يصبر المسلمون على بعضهم بعضًا عند حصول الخطأ، حتى لا تتفاقم الشرور وتتسع دائرة الفتن ، ويصعب تلافيها. ولهذا فلماذا كثر في أوساط المسلمين الفتن؟ ألا لأنهم لم يأخذوا بمثل هذه التوجيهات والأوامر التي جاء بها الإسلام. أيها المسلمون: في يوم القيامة سيظهر لك ما جنته يداك ، حين فرطت في الأخوة الدينية ، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن الرسول عليه والصلاة والسلام قال: ( أتدرون من المفلس من أمتي ) ؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع ، قال: ( المفلس من أمتي من يأتي بصلاة وصيام وصدقة ، ويأتي وقد شتم , هذا وضرب هذا ، وسفك دم هذا ، وأخذ مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته ، ولهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ، ثم ألقي به في النار)انظر! عواقب انتهاك الأخوة.. هذا يسبه.. وهذا يشتمه.. وهذا يخدعه.. وهذا يخونه ..وهذا يكذب عليه ..وهذا وهذا...انتبه لنفسك وانظر حالك)يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ , إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (.طهر قلبك من بغض المسلمين، والحقد على المسلمين، تعامل مع المسلمين بلسان صدق وبقلبٍ طيب.القلب الطيب الذي ليس فيه كبر ولا ازدراء بالمسلمين ، ولا احتقار للمسلمين ، ولا فيه حقد على المسلمين ، هذا قلب طيب ، واللسان يكون أيضًا لسان صدق ، يتكلم بحق .فالأخوة الدينية لا تقوم إلا إذا أعطيناها مقوماتها الشرعية ، التي جاءت بها الشريعة المحمدية .ومن مقومات الأخوة حب أخيك المسلم , وليس تفضلاً منك أن تحب إخوانك المسلمين ولكن فرض الله ذلك أن تحب المسلمين ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال:( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم ). تحب أخاك المسلم، فالمسلم يُحب بقدر ما فيه من الخير، ولا يُحب مجازفة ، كأصحاب الدنيا يحبون الشخص إن أعطاهم دنيا ، ويبغضون الشخص إذا كان ليس معهم فيما هم عليه .فالمنحرفون في باب حب المسلمين هم الذين يحبون الشخص إن وافقهم على المعاصي أحبوه، لأنه وافقهم لا لأنه مسلم أو لأنه مستقيم ولكن لأنه وافقهم على المعاصي ، وآخرون يحبونه لأنه وافقهم على البدع، وآخرون يحبونه لأنه وافقهم على الفتن والمصائب والانحرافات ، هذا انحراف في باب حب المسلم .. تحبه لدينه بقدر ما فيه من تدين فتحبه لذلك .. وتبغضه عند أن ترى المخالفة لذلك. وإذا جمع الناس الحب الدنيوي فرقهم الحب الدنيوي - معنى هذا – ما أكثر ما يجتمع الناس على أمر مما يخالف شرع الله ويتحابون ويتناصرون ، لكن من أجل ذلك الأمر .. فإذا لم تبقى مصالحهم فيه ، لم يبقى حب بعضهم لبعض ، بل تركوا بعضهم بعضًا ، وربما حاربوا بعضهم بعضًا .هذا الحب يعد من جملة الانحراف والمعاصي .فالمطلوب يا عباد الله أن نحب بعضنا بعضًا حبّ الإسلام.انظروا!. جاء بسند صحيح عن علي بن الحسين زين العابدين إنه قال: لأهل الكوفة- الذين يقال لهم الشيعة ، الذين يغالون في حب علي بن أبي طالب ، وفاطمة والحسن والحسين- قال لهم الحسين بن علي: " أحبونا حب الإسلام فإن حبكم ما زال عارٌ علينا" لما ذهبوا يغالون فيهم؟ .. فبعض الناس إذا كان فلان معه في شره، في تحزبه، في معاصيه، رفعه إلى السماء .. ومن مثل فلان؟ ومن أين لنا مثل فلان؟ وإذا أختلف معه بطش به.فكما سمعت ندعُ هذه الطرق ، ونحب المسلم للإسلام، وبقدر ما فيه من الخير .. هذا ميزان قامت به السموات والأرض، أنك تكون متوسطًا في حبك وبغضك وعطاءك ومنعك وقربك وبعدك مع الناس ، تتعامل معهم بمقتضى الشريعة لا بمقتضى الهوى..واختبروا أنفسكم في هذا الباب.أرأيت رجل سب رسول الله , وسب عالمًا يعظمه من يعظمه ، ستجد هذا الصنف يغار على العالم الذي يعظمه، وربما عبده ما لم يغار على رسول الله عليه الصلاة والسلام . ها هو سب الله وسب دينه ورسوله ..يُسمع ما بين الحين لآخر من قبل الملاحدة والزنادقة ، فماذا عمل كثير من المسلمين ؟ هل حصل على الأقل الغيرة من أجل الله ومن أجل رسول الله عليه الصلاة والسلام .لكن انظر! بعضهم لو سبه أحد مستعد أن يقاتله ، لما سبه؟ أو يسب شخصًا له معه مصلحة ، فلكن بعيدين عن المجازفة ولنكن حريصين على العدل والمحافظة على ما تصلح به أحوالنا وعلى كلٍ ، الحب الدنيوي طغى على كثير من المسلمين فصار هو الحب الذي به يتواصل الناس أو يتباعدون ، والذي به يتآلفون أو عليه يتآلفون ويقربون، والذي بسببه يُقبلون ويعطون أو يمنعون، الحب الدنيوي؛ أعاذك الله من ذلك .فحب المسلمين من أجل دين الله رب العالمين، سبحانه وتعالى..كذلك أيها الأخوة .. الأخوة الدينية تستدعي الرحمة بالمسلم..لكن رحمة كما شرع الله ، لا الرحمة المزيفة.. هنالك من يظهر لك أنه يرحمك، وهو يسعى في هلاكك لأنها رحمة مزيفة .. مثلاً: الأب والأم .. يرحمان الأولاد لكن ما أكثر ما تسببا في هلاك الأولاد إلا من رحمه الله .قال الرسول عليه الصلاة والسلام : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) . ما أكثر الآباء والأمهات الذين يرون أن الأبناء لا يُلزمون ، ولا يؤدبون ولا كذا. من أجل الصلاة ، بل أتركه ينام ..ما في داعي يخرج في البرد ليؤدي الصلاة ..وخليه يستريح ورأوا أن هذه رحمه!. هذه نقمة بصورة رحمة، وهكذا أيضًا بعض الناس كما سمعت يظن أنه عند أن يجادل عن فلان المنحرف ، أنه قد رحمه، فلان منحرف يشرب الخمر ، فلان واقع في كذا من الذنب من الانحراف ، فيذهب ذاك يجادل عنه، .. يقول : أنا أرحمك.. لا .. أنت تسبب إصراره على جرمه وذنبه ، وهذا فيه زيادة عذاب عليه، وقد قال الله : ) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا , يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا , هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً(.فلان قتل ظلمًا عدونًا متعمداً ، قالوا لا يمكن أن يقاصص به ، لما؟ ءأنتم أرحم به من الله ؟ وربما أبعدوه وربما تسببوا في إثارة القتل والقتال من أجل أن فلانًا لا يقاصص به ، فلان زنى، المطلوب أن يقام عليه الحد الشرعي ، ما أكثر المدافعين من أجل أن لا يقام عليه الحد الشرعي ، أما تقرأون قول الله في الكتاب الكريم: ) وتَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ( .يا عباد الله!! المطلوب أن يحافظ على أخوة الدين .. أن نقيم أخوة الدين ..والعلماء عندما يحذرون من السحرة ومن المنجمين ومن دعاة الضلال ومن دعاة البدع ومن دعاة التحزب ، هذا نصح لهؤلاء من باب النصح في الدين .. ولا يقول واحد لما تكلمت على الأخوة ، العلماء يتكلمون على فلان وفلان؟ .. من تكلم بعلم وحلم وعدل ومعرفة من أهل العلم فكلامه مطلوب نصرة للدين ودفاع عن عبادة الأمة، وعن حقوق الأمة، وإلا عمّت الفتن وطمّت البلاد واستشرى الفساد.أيها ألأخوة :إن الكلام عل الأخوة يطول والأحاديث والآيات في ذلكم كثير والحمد لله. فعليكم أن تقرأوا ما يزيدكم تفقهًا في الأخوة في الدين فدعوة أهل السنة دعوة إلى أن المسلمين يتراحمون فيما بينهم، ويتناصحون فيما بينهم.ويصبرون على بعضهم بعضًا ، وكذلك أيضًا يخلصون أعمالهم لله، ويتبعون رسول الله، ويبتعدون عن الفتن ، فهي دعوة فيها الخير للمجتمع، الخير كله للحاكم والمحكوم . ولكن بعض الناس ما يعجبهم أن يقبلوا على الحق ، وأن يأخذوا الحق الصافي النقي ، فهذه الدعوة تحفظ لك حقوقك بحمد الله رب العالمين ، فإن قبلتها فقد عرفت وقد اتجهت إلى حقوقك .وأيضًا هذه الدعوة تطالبك بأن تعطي الحقوق إلى أهلها ، التي للناس عندك، فلك حقوقك ، وعليك حقوق، فأدي الحقوق التي عليك واطلب الحقوق التي لك من الأبواب الشرعية .فإن مُنعت من شيء منها فاصبر، والله خير الناصرين.نسأل الله بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يثبتنا جميعًا على الحق حتى نلقاه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
0 التعليقات:
إرسال تعليق